الجمعة, 03 تشرين1/أكتوير 2014 14:54

خطاب (عَرَفة) .. لا زلتَ فينا تتردّد ..

قيم الموضوع
(0 أصوات)

د عادل محمد باحميد                  

يتهيأ الكونُ مبتهجاً للوقفةِ الأعظمِ في تاريخه .. سيقفُ الكونُ كلُّ الكونِ وقفةَ الخضوعِ والخشوعِ والإجلالِ والامتثال لخالقهِ الأعظم جلّ في عُلاه .. وبينما ستقفُ زمرةٌ رمزيّةٌ من

 العبادِ على الصعيدِ الطاهرِ في عرفات .. ستقفُ من خلفها مئاتُ الملايينِ من البشر على صعيدِ الرسالةِ الطاهرة ذاتها .. وعلى صعيدِ مبادئها السّماويّةِ الخالدة .. سيلبّي الكونُ .. طائعاً مُختاراً .. سيلبّي نداءَ الخالقِ الواحدِ المعبود .. سيلبّي بكلِّ أطيافهِ وألوانهِ وأعراقهِ وأحسابهِ وأنسابه .. من مشارقهِ ومغاربه .. لا حدودَ ولا فواصلَ ولا فوارِق ..

ولعمري لكأنّني بالنداءِ المحمّديّ الخالد يسري في الأكوانِ من جديد .. لكأنني بكلماتِه الجامعة المانعة تسري بين الوفودِ في عرفات ويتردّد صداها .. وتطرقُ أفئدةَ المؤمنين أينما كانوا .. تُجددُ معهم العهدَ .. وتذكّرهم بأصلِ التّكليفِ والأمانة .. وتردّدُ في آذانهم وقبلها قلوبهم وعقولهم ما تركهم عليه الحبيبُ المصطفى صلوات ربّي وسلامه عليه ..

لكأنّي به صلى الله عليه وسلّم يشرفُ علينا يوم الحجّ الأكبرِ .. يخاطبنا كما خاطب أصحابَه من قبلنا .. فالدين هو الدين والأمرُ هو الأمر .. كأنّي به يردّد كلماته اليوم على مسامعِ القلوبِ المتناحرة .. والأرواحِ المتصارعة .. كأنّي بكلماته تمرُّ على ميادينَ قتالٍ .. القاتلُ فيها مسلمٌ والمقتولُ كذلك .. كأنّي بها تُبحر في أنهرٍ من دماءٍ رائحتُها تشي بأنها مُسلمة .. وتصلها أنّاتٌ وآهاتٌ من ديارٍ وقلوبٍ مسلمة سبّبتها أيادٍ مُسلمة .. كأنّي بها تتردّدُ في مجالس أكلَ المسلمونَ فيها بعضَهم غيبةً ونميمةً واتهاماً وتفرقةً وتحزّباً وتعصّباً وتقطيعاً لأواصرِ العقيدةِ وعُراها ..

ومع ذلك ستبقى الكلماتُ الخالدات تتردّد .. فلها قلوبٌ وأرواحٌ وعقول لا زالت تعيها وتتمسّكُ بها .. وإن كانت قليلة !! .. لا زالت تلك القلوب والأرواح تهفو إلى ذاتِ الكلمات وذات الخطاب تستّمدُّ منه إكسير الحياةِ لها وترياقَ البقاء .. البقاء الصّعب في زمنٍ لم يعُد فيه من مثبّت غير رحمةٍ من الله وتثبيتا ..

ستظلُّ أرجاءُ عرفات تهتز وهي تردد قولَه صلى الله عليه وسلّم: (أيها الناسُ : إن دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم . إلى أن تَلقوْا ربّكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، في بلدِكم هذا ، ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد !) .. علَّ من سفكوا دماءَ المسلمين باسمِ دينِهم يعودوا إلى رشدِهم .. علَّ من يتباهونَ بقطعِ الرؤوس والرِّقابِ المُسلمة يُدركوا كم حادوا عن هديكَ يا محمّد وابتعدوا .. مهما تنوّعت ذرائعهم ومبرراتُهم ..

سيسمعُ السّادرون في تمزيق عُرى الأخوةِ قوله صلى الله عليه وسلم يدحضُ كلّ مبرراتِهم: (أيها الناس "إنما المُؤْمِنُونَ إخوَةٌ " ، و لا يحل لامرىء مالُ أخيه إلا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ! فلا ترجُعُنَّ بعدى كفارا يضربُ بعضُكم رقاب بعض فإني قد تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده ، كتاب الله ، ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد!) ..

ستبقى كلماتك الخالدةُ يا حبيبي يا محمّد تهزُّ فينا عصبيّاتنا وولاءاتنا الضيّقة وأنت تقرّر اصلاً من أصولِ الدين تغافلنا عنه ونسيناه: ( أيها الناس إنَّ ربَّكم واحد و إن أباكم واحد كلُّكم لآدم و آدم من تراب ، أكرمُكم عند الله أتقاكم ، و ليس لعربيٍ على عجميٍ فضلٌ إلا بالتقوى – ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد !. قالوا : نعم . قال فليبلغ الشاهدُ الغائب).
نعم ونحن نشهد أنّك بلّغتَ يا سيّد المرسلين .. ونحنُ على ذلك من الشاهدين .. وسنبقى لهديك مبلّغين وداعين .. حتى نلقاكَ يوم الدين .. ونشربُ من راحتيكَ الكريمتينِ شربةً نعلمُ بها أنّنا بإذن الله من الآمنين .. اللهمّ آمين ..

وسنظلّ نلبّي كما لبّيت .. وفاءاً وطاعةً واقتداءاً : (لبّيك اللهمّ لبّيك .. لبّيكَ لا شريكَ لكَ لبّيك .. إنّ الحمدَ والنّعمةَ لك والمُلك .. لا شريك لك) ..

قراءة 496 مرات

الآراء في هذا القسم لا تعبر عن وجهة نظر الموقع

فهي تعبر عن وجهة نظر كتابها

تابعنا في:

مقالات د عادل باحميد

كَفى ..  فقد لُدغنا من كلّ جُحرٍ مرّةً ..

كَفى .. فقد لُدغنا من كلّ جُحرٍ مرّةً ..

24 أيار 2016

د عادل محمد باحميد ...

مشروع (حضرموت) .. خيرٌ وسلام .. عدالةٌ وبناء ..

مشروع (حضرموت) .. خيرٌ وسلام .. عدالةٌ وبناء .....

24 كانون1 2015

د عادل محمد باحميد ...

رحمك الله أيها الشهيد جعفر ..

رحمك الله أيها الشهيد جعفر ..

15 كانون1 2015

د عادل محمد باحميد   حينما...

خطاب (عَرَفة) .. لا زلتَ فينا تتردّد ..

خطاب (عَرَفة) .. لا زلتَ فينا تتردّد ..

03 تشرين1 2014

د عادل محمد باحميد ...

متى نُطلق (القائدَ) المكبّل فينا ؟!

متى نُطلق (القائدَ) المكبّل فينا ؟!

30 أيلول 2014

د,عادل باحميد ...

في حضرةِ مؤرّخٍ حكيمٍ عاشق

في حضرةِ مؤرّخٍ حكيمٍ عاشق

22 تموز 2014

د عادل محمد باحميد ...

هَمسةٌ من سَاعةٍ مكسورة !!

هَمسةٌ من سَاعةٍ مكسورة !!

06 تموز 2014

المكلا الآن - د عادل محمد...

يا (مُسلمينَ) !! .. (لسنّا عِيْرَ أبي سُفيان) !!!

يا (مُسلمينَ) !! .. (لسنّا عِيْرَ أبي سُفيان) !!!...

07 حزيران 2014

بقلم د عادل محمد باحميد  ما...

المكلا .. تأمُّلاتٌ في واقعِ الأحداث .. الحلقة (3)

المكلا .. تأمُّلاتٌ في واقعِ الأحداث .. الحلقة (3)...

07 حزيران 2014

بقلم د عادل محمد باحميد  ما...

المكلا .. تأمُّلاتٌ في واقعِ الأحداث .. الحلقة (2)

المكلا .. تأمُّلاتٌ في واقعِ الأحداث .. الحلقة (2)...

07 حزيران 2014

بقلم د عادل محمد باحميد  كُ...

المكلا .. تأملاتٌ في واقعِ الأحداث … الحلقة (1)

المكلا .. تأملاتٌ في واقعِ الأحداث … الحلقة (1)...

07 حزيران 2014

بقلم د عادل محمد باحميد   ل...

كفى (زحفاً) .. متى ننهض ؟!

كفى (زحفاً) .. متى ننهض ؟!

07 حزيران 2014

بقلم د  عادل محمد باحميد لا...

البطاطي (الصغير) .. ورمزيّة الجُرمِ (الكبير) !!

البطاطي (الصغير) .. ورمزيّة الجُرمِ (الكبير) !!...

07 حزيران 2014

بقلم الدكتور عادل محمد باحمي...

Template Settings

Color

For each color, the params below will give default values
Green red Oranges blue crimson

Body

Background Color
Text Color

Header

Background Color
Background Image

Spotlight4

Background Color

Footer

Select menu
Google Font
Body Font-size
Body Font-family
Direction