الأحد, 09 نيسان/أبريل 2017 13:40

في الشحر ..رجال تحدوا الإعاقة (5)

قيم الموضوع
(0 أصوات)

المكلاالآن/   عبدالرحمن بامطرف

 
 
 
نلتقي اليوم مع شخصية شحرية جديدة من الشخصيات التي خاضت معترك الحياة لتحيا بعزة وكرامة رغم إعاقتها التي لم تقف حاجزاً أمامها لتعيقها عن ممارسة حياتها الطبيعية ، ساعدها في ذلك المجتمع الذي يحترم ويقدر أمثالها ولم ولن ينساها أبداً .
 
 
 
نلتقي مع أحد هؤلاء الرجال .. مع العم سالم سعيد باقحوم الملقب (الخزوقي ) إحد أشهر الخياطين من الصم والبكم .
 
 
 
حياة الأنسان بمراحلها ، الطفولة والصبا والشيخوخة, بكل حُلْوِهَا ومُرِّها , بصحتها ومرضها  يقدرها له المولى عز وجل ويؤهله لها  وعليه أن يرضى بقسمته في  هذه الحياة .
 
 
وهذا ماحدث في حياة العم سالم فقد رضي كل الرضا بما قدره له ربه فعاش حياة الصمت  ستين عاماً  اشتغل في معظمها خياطاً ومهندساً لمكائن الخياطة ظل فيها محله يدب بحركة الزبائن واستمرت ماكينته تتحرك ولم تتوقف إلا قليلاً  حتى توقف قلبه في أحد مساءات  يوم خميس من عام 2004م فتوقفت إلى الأبد ودخلت عالم الصمت كصاحبها حزناً  على فراقه  حتى أكلها الزمن .
 
 
 
 
ولد العم سالم ( أبو محمد )  في عام 1939م طفلاً سليماً وكبُر يحسن الكلام حتى بلغ السابعة من عمره  فأرسله والده إلى علمة الشيخ عمر بن منيف المشهورة بـ(علمة القصّير) حاله حال أطفال البلدة في ذاك الوقت ليتعلم
منها أمور دينه ولغته وقليل من الحساب  .
 
 
 
 
واستمر  فيها تلك السنة حتى ذلك اليوم الذي خرج فيه فرحاناً من بيت عرسٍ لأحد الجيران في رقة العيدروس وكان  يومها ممسكاً  في أحدى يديه قطعة لحم وفي الأخرى خبزٍاً ، اعطاها إياه والده الذباح المشهور في زمانه مطيباً بخاطره وهو لايعلم أنها ستغيّر مجرى حياة ابنه وحياة أسرته ، فلم يكد الصغير سالم يبلغ أول الطريق حتى صعقته العيون الساحرة التي لاتذكرالله ولاتصلي على النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم فقد قابله رجلان وشاهداه وهو يحمل مامعه فقال أحدهما:
 
 
( ريت والده وضع له قطعة لحم في فمه من شان يعدّل كفة الميزان )
 
 
فمرقت هذه الكلمات الشيطانية كالسهم لتصيب فم الطفل بشلل جعلته أعوج لا يقدر على الكلام فكانت هذه اللحظات بداية لمعاناة طويلة رافقت الصغير طيلة حياته ، وبعد عرضه على عدد من المعالجين شفي بفضل الله من إعوجاج الفم ولكنه ظل فاقداً للنطق والسمع .
 
 
 
رضيت  أسرته لحكم الله وقدره وتعايشت مع الوضع الجديد وبدأت الإشارات تحل محل الكلمات في حياة الصغير إلا من  قليل منها  بقيت عالقة في لسانه مما تعلمه في المدرسة .
 
 
 
 
أحب  العم سالم العمل منذ صغره ففي سن العاشرة سمح له والده بالعمل لدى أصحاب قوافل الجمال التي تحط في المدينة بالقرب من جابية الماء بجوار مسجد بن عتيق  لتروي عطشها وترتاح في ظل ذاك المكان ، حيث يقوم هو بإطعامها والعناية بها فمكث سنوات محباّ لها ومجتهداً في خدمتها وعندما بلغ الخامسة عشرة من عمره  أخذه والده للعمل عنده في محل الخياطة الذي يملكه في سوق الخياطين ، فوالده إلى جانب أنه ذباح  فهو أيضاً خياط فأشترى له ماكينة خياطة جديدة واقعده بجانبه في المحل ولسان حاله يقول (صنعة في يد ابني أمان من الفقر) فعلّم  ابنه هذه المهنة وأحسن في تعليمه كي ينتفع بها و يحافظ عليها من بعده وكان لوالده ماأراد ، فلم تمض سنتان على تعليمه حتى استطاع  بنباهته وذكائه أن يبدع ويتقن عمل الخياطة فتركه والده في المحل لوحده وهو مطمئناً وواثقاً أن تلميذه الصغير سيصبح في يوم من الأيام أستاذاً  .
 
 
 
 
عمل سالم في محله ليل نهار  يلاحق التطور ، ويضيف لمسات فنية لتفصيلاته وأشتهر بمهارته في خياطة الشميزات التي ترضي الأذواق وتدفع بأصحابها إلى التباهي بلبسها وخصوصاً قماش ( اللاس) المشهور لبسه في تلك الفترة فجذب كثير من الزبائن ، وكان أيضاً يقوم بتفصيل البنطلونات وكل مايطلبه منه زبائنه ، بل قفز على ذلك بكثير حيث صار مهندسا للمكائن يأتي إليه الرجال والنساء من كل أحياء البلدة ليعيد الحركة إلى مكائنهم بعد توقفها فخمسون عاماً  قضاها خلف ماكينة الخياطة كانت كفيلة بأن تصنع منه بحق أستاذاً .
 
 
 
 
لم  يعش  العم سالم حبيس جدران صمته بل كان أنسان منفتح للحياة محلقاً في رحابها الواسعة يبحث عن ما يسلي النفس ويريحها فجمع حوله عدد من الأصدقاء الذين رافقوه سنوات عمره وكان أعزهم إلى قلبه صديقيه المرحومين أحمد سويد  ، وعبدالرحمن سلومه الذي يعتبر بمثابة ترجمان له في حواراته ونقاشاته اليومية  ، فلقاء الأصدقاء والجلوس معهم كان راحته المنشودة ، ولذلك فقد أشترى جهاز فيديو ليجمعهم في بيته لمشاهدة الأفلام الهندية التي يحبها كثيرا ويستمتع بمشاهدتها  كحبنا لها  في ذاك الزمن الجميل بل كان يذهب برفقتهم لمشاهدتها في دور السينما ولاينسى أن يأخذ ابنه محمد معه ليقضيا معاً ساعات جميلة لازال الابن يتذكرها إلى اليوم.
 
 
 
ومن  الأصدقاء  أيضاً تعلم كثير من أمور  الكهرباء والنجارة تجلت بوضوح في عدد من الأعمال التي نجح في تنفيذها في بيته ومحله ، ففي مجال الكهرباء استطاع أن يعمل مروحة أرضية اذهلت كل من شاهدها ، وفي مجال النجارة عمل  أبواباً وشبابيك في بيته الواقع إلى الشرق من سدة العيدروس .
 
 
 
 
عاش العم سالم حياته لأسرته يحبها ويرعاها وكان مثال للأب والابن ، فكان باراً بوالدته رحمها الله واستطاع بفضل الله أن يوفر تكاليف حجها لبيت الله وآثرها على نفسه ، أما أسرته  فكانت سلوته الكبرى ومصدر حيويته ونشاطه فوهبها جل اهتمامه ورعايته وكل حبه ، له من الابناء ثلاثة هم ... محمد ، وفؤاد ، وسعيد ، وأربع بنات  .
 
 
 
 
وللرياضة في حياته حكاية فهو شبابي الهوى ومشجع  لنادي شباب الجنوب ، وكان كثير  الحضور للمباريات والتدريبات بل بلغ عشقه للرياضة أن يذهب إلى المكلا لحضور المباريات ويتحمل عناء الطريق ، وهو من المعجبين باللاعب حسين الجحوشي ، والمرحوم اللاعب ناصر البطاطي ، وهما من  أشهر لاعبي فريق الشباب  بعكس والده الذي كان مشجعاً لنادي الكوكب ، فكان دائماً يحصل بينهم  نزاع وتنافس كروي وهذا ليس بغريب ، فكثير من البيوت في تلك الفترة كان أفرادها موزعين بين هذين الناديين وكان تشجيعهم لها يميزه روح التنافس المفعم بالمحبة والأخاء.
 
 
 
 
بقي  أن نقول أن رجل مثل العم سالم لايتكرر في حياتنا وإن أردنا مثله  سيكون علينا العودة آلى زمانه الذي صنعه وبيئته التي حضنته ، فرجل تذرف عيونه دموعاً وبحرقة لمشاهدته فيلم الرسالة في كل مرة حتى يُبكي من حوله و يشفق عليه محبيه ، ورجل له هذا المشوار الحافل بحب الحياة والعناء والصبر الجميل بحق يستحق منّا أن نرفع  هاماتنا لذكره و أن ندعوا له الله أن يثيبه خيراً صنيع ذلك .
 
وإلى لقاء مع شخصية جديدة ..
 
قراءة 542 مرات

تابعنا في:

Template Settings

Color

For each color, the params below will give default values
Green red Oranges blue crimson

Body

Background Color
Text Color

Header

Background Color
Background Image

Spotlight4

Background Color

Footer

Select menu
Google Font
Body Font-size
Body Font-family
Direction